ملا نعيما العرفي الطالقاني

240

منهج الرشاد في معرفة المعاد

وكذا تشترك الآيتان في الدلالة على عروض التغيّر والفساد والموت على من في السماوات والأرض ، إلّا من شاء اللّه ، وقد فسّره المفسّرون تارة بالملائكة الأربعة أي جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ، وتارة بالشهداء . وبالجملة فالمراد بمن شاء اللّه إمّا جماعة من الملائكة المقرّبين أو جمع من النبيّين والصدّيقين . فيصير المعنى أنّ تلك الحالة عند النفخة ، لا تعرض لهؤلاء الملائكة وللشهداء ، فيكون مفاد الآيتين عروض الموت والفناء لكلّ أهل العقل أو لكلّ موجود في السماء والأرض ، غير من شاء اللّه ، وينبغي أن يفسّر الموت والفناء بالنسبة إلى كلّ أحد وكلّ شيء بما يناسب حاله كما ذكر سابقا . ومنها قوله تعالى : « كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » . « 1 » وهذه الآية لو أريد بها العموم الحقيقي بحيث يشمل كلّ شيء ممّا سواه تعالى حتّى ما دلّ الدليل على بقائه أيضا كالصادر الأوّل ، والنشأة الاخرويّة بما فيها والنفوس المجرّدة الإنسانيّة وغيرها ، فينبغي أن تتأوّل الآية بما أوّلها بعضهم من أنّه لعلّ المراد بالهلاك ضعف الوجود وليسيّة الماهيّات الممكنة في أنفسها ، يعني أنّ كلّ شيء بحسب وجوده الفائض عليه ضعيف ناقص ليس وجوده تامّا كاملا ، حيث إنّه لو فرض انقطاع فيض الوجود عنه ولو آنا مّا ، لا نعدم وفني إلّا وجهه أي إلّا من جهة إفاضته تعالى الوجود عليه ، فإنّه بهذه الجهة يكون موجودا باقيا ، وبعبارة أخرى أنّ كلّ موجود من الموجودات وكلّ ماهيّة من الماهيّات الممكنة من حيث إنّه ممكن في ذاته ، فهو قابل لطريان العدم عليه ، كما أنّه قابل لطريان الوجود عليه ، فهو بالنظر إلى ذاته وماهيّته ممكن هالك ، ليس له وجود ، بل إنّما وجود من جهة ارتباطه بجاعله ومفيض الوجود عليه . والحاصل أنّه على تقدير إرادة العموم الحقيقي من كلّ شيء ، ينبغي إرادة أنّ المراد بالهلاك ، الهلاك في مرتبة الذات ، لا الهلاك بالفعل الطارئ بعد الوجود . وأمّا لو أريد بكلّ شيء العموم في الجملة ، بحيث يعمّ كلّ شيء عدا ما استثني ، لأمكن إرادة الهلاك بالفعل منه ، ويكون المعنى أنّ كلّ شيء سوى ما دلّ الدليل على بقائه ، يعرض له الهلاك والموت بالمعنى الذي يناسب حاله ، كما ذكر سابقا حتّى الملائكة أيضا ، أمّا

--> ( 1 ) - القصص : 88 .